الخبر:بصير في طريق أعمى...
(الأقسام: للحرة رأي)
أرسلت بواسطة alhorapress
الثلاثاء 02 يناير 2018 - 22:33:19

...أمسك المفتاح في يده ،وراح يقلبه ذات الشمال وذات اليمين،وقبل أن يلج غرفته، استدار يمنة فلم يرى سوى ضله الذي سيتوارى بحلول الظلام من حوله،بخطوات متثاقلة حاول ولوج الغرفة،وكلما تقدم نحو الباب وإلا أحس بشيء يجذبه إلى الخلف،وكان في كل لحظة يريد فيها أن يتخلص من هذا إلا وجد نفسه غارقا في بحر ذاكرته التي تنسيه تارة ما كان عليه، وتارة أخرى تبزغ الأفكار النائمة المنسية لتخرجه من ظلمات سنوات التيه والضلال في أحاسيس مصطنعة بغمرة السعادة التي ضحكت يوما من غباوته أو لربما من صدق طويته،ظل يردد كلمات حفظها لكثرة ترددها على مسامعه،تردد بلغ صداه إلى وجدانه بين ثنايا أضلعه،فصدق ما لم يصدق"أيها الابله لقد ضيعت حياتك على وهم  تشبثت به وهو على جرف هار،والسير إليه كمن يهاجر الى حين تغرب شمس الحياة"

عاد إلى حيث أراد جسده،تلمس الباب  يريد أن يفتحه،لم يكن إلا طيفه،ارتجفت يداه فاسقطت المفتاح،ترنح في كل أرجاء بيته الصغيرالحالك المسدود ،تلمس الارض فلم يجده ،و كيف له ان يجده ونور المصباح الوحيد قد انطفأ بين يده،جلس القرفصاء يتأمل حاله ،هل فقد البصر أم ان النور هجره،يفتح عيناه حتى تكاد ان تخرج من محاجرها،ينحسر البصر في ظلمة الغرفة لا يعلم فيها الليل من النهار، فيعود إلى ذكراه ،والخيال و الطيف الكليم قد أثقلاه ،ودون إحساسه المفقود،استسلم  لسواد غرفة الظلام لما خارت قواه.

يا لسخرية القدر،وكل ابن آدم له قدر مقدور ومقدر،ساعات وأيام وشهور وسنوات قدرت،والحياة حتى لو توقفت فتلك اقدار قدرت،ولن تجد من بعدها من يقول لك بأن هذه الحياة لا تستحق كل هذه التضحيات ،التي نجازف بها ونتحمس إليها حتى ولو لم  تكن أنت من اختارت،فالهاوية تردفها الخالية،حتى لو زادت حماستك في الحياة الفانية،نعم نتفاءل كي نعيش ،ونحلم ونتشبث بالحياة،كي نضيء مصابيح في غرف مظلمة،حتى لو لم ينفذ نورها إلى الميت حماسته للحياة.

خلد إلى النوم وهو يتمتم كلمات بالكاد تلملم شفتاه من شدة برودة الطقس و"الدص"،لم يفلح حتى في تلبيس قدميه الحافيتين بعدما تخلى عن جواربه المثقوبة مرغما ،لرائحتها النتنة التي تزكم الانوف،فعل ذلك وهو يتذكر صراخ زوجه"حيد ذوك التقاشر راك خنزتينا"،بدا انه لا يدري كيف يغالب قرسات البرد الذي تنفخه النوافذ المكسور زجاجها،أسند رأسه إلى الأرض وكفه الأيمن وسادته،أ إلى القبلة وجهه ،لا يعلم،استدار نحو الجهة اليسرى،"نعم أنا في جهة القبلة" وهو الذي لم تطأ جبهته ترابا أو سجادة في خلاء أو مسجد،إنه الاستسلام الأخير،قد لا يبزغ نهاره،وهو الذي لا ينفك ينظر من حوله وكأنه يستنجد بمن حوله، نسي أن الجميع تركه،حتى تلك الشموع التي جاء بها، تضيء مرة وتخبو مرات،ما زال متسمرا معقوفا يداري لسعات البرد في تلك الغرفة المظلمة أو في أحواشها ،لم يعد يعي أين وكيف حاله ،يكفيه أن يأتيه النوم غدرا أو عذرا ولو سباتا أبد الدهر،غير آبه أ في الجنة أم النار مقامه،وهو يتمتم :"هذا جسدي افعلوا به ماشئتم ولكن اتروكوا لي روحي أهيم بها بلا رقيب ولا حسيب، في عالمي الذي أنا إليه راحل لا محالة،لا آبه إليكم يا أطياف بشر،مررتم بجانبي...".

بعد صمت رهيب في داخله ،أتته وقع أقدام من الخلف ،لا يدري،فقط صوت أقدام  ثقيلة الخطى،كم أنت كئيبة أيتها الاقدام القادمة من بعيد،لما أتى بك الزمن في دربي،حتى  في سواد الليل تطاردينني،اقترب الصوت أكثر فأكثر،حتى لامست قدم ناصيته،يا للقوم ،أليست لهم أعين يبصرون بها؟ نسي أنه في غرفة مظلمة ،في المكان الخاطئ منذ زمن بعيد،لم يأبه لتوسلات الكبار الذين خبروا ضروب الزمان ألا يدخل بيوتا لا يحكمها إلا الرحماء من بني البشر،سكن وقع الأقدام،فتح عينه فلم يرى إلا الظلام،أسند ظهره لحائط الحجرة ،أ من خلفها أم من أمامها أتاه صوت القادم في ليلة باردة من خريف عمرأتى قبل الآوان،وهو الذي علت على وجهه تجاعيد ضروب الدهر،وغزا الشيب شعره وهو في ريعان الشباب،كانت له أحلام رهنته ردحا من الزمن، بنى بها بيتا لم يكن يوما صالحا للسكن،لم يشعر بمن جاءه،حتى نهره،شكون لي ناعس في الطريق؟من أتى بهذا المخلوق بالقرب من بيتي؟أطبق فمه ولم ينبس البتة،فعلم أن العالم يرى وهو الآن أعمى...




قام بإرسال الخبرالحرة بريس
( http://alhorapress.com/news.php?extend.2324 )