الخبر:قراءة في رواية "الحي الخطير"، شهادة بالدم والخناجر!
(الأقسام: فن و ثقافة)
أرسلت بواسطة alhorapress
الأربعاء 02 أغسطس 2017 - 00:23:03

الحرة بريس:مصطفى لمودن
تدور أحداث الرواية بالعاصمة الرباط وبالمدينة المجاورة لها سلا، لكن بؤرة الأحداث تتركز داخل حي صفيحي يقع بالجهة الشرقية من العاصمة، تحمل الرواية سيمات عنف وقسوة شديدين، وهي بمثابة بيان إدانة ضد مرحلة تاريخية عاشها المغرب، ولا يمكن أن يصدّق تلك الأحداث الخطيرة في أقصى تصورها أو افتراض حدوثها سوى من عاش حياةً مماثلة لما عرفتْه من ظروف الهجرة القسرية من البوادي والعيش في أحياء الصفيح البئيسة منذ الإنفجار السكاني واستيلاء المعمرين القدامى والجدد على الأراضي الفلاحية، وتكالب الطبيعة (الجفاف) والإدارة (المخزن) ضد الإنسان والمجال.. لا تخوض كثيرا الرواية في هذه التفاصيل السابقة، ولكن تركز على النتائج.. حتى أن مراد الشخصية الأساسية في الرواية يرى أن البلد/المكان/الحي تتحكم فيه قوتان، قوة "عصابة الدولة"، وعصابات أولاد الحي المتقاتلة.. وبالتالي البقاء للأقوى ولمن يستطيع "معالجة" خصمه قبل فوات الأوان.. ! وظل "البطل" يخطط و"يعمل" ويُمنّي نفسَهُ بالتنقل إلى "الضفة الأخرى" عند طبقة الميسورين..
أنصح من البداية ذوي "القلوب الهشة" والمتّسمين بالعاطفة الجياشة إلى عدم ملامسة الرواية، قراءتُها قد يجعل جِـن الوساوسِ يسكنهم، أو يفقدون الرغبة في النوم لأيام !.. وكذلك من يعتبرون "الحياد" خصلة أخلاقية لا محيد عنها. مادامت الرواية كذلك محاكمة أخلاقية قاسية جدا..
لا يمكن الحديث بتفصيل عن الأحداث، حتى لا يتم اغتيال أيّ تشويق في الاكتشاف ومتابعة القراءة حتى النهاية، ولكن، وفي كل منعرج توجد تفاصيل غارقة في "الحثالة" والبشاعة والخداع والاغتصاب والجريمة وباختصار اللإنسانية.. وهي الصفات التي تكررت عدة مرات، في المآمرات والخيبات التي لا تنتهي. تتوالى البشاعات من حيث لا تحتسب وما لا يمكن أن تنتظره..
تبدأ أحداث الرواية في السجن، وتقوم على التذكر.. الذاكرة نوع من التأريخ هنا، إشهاد وتبرير وبحث عن المعنى.. وتنتهي بالسجن كذلك، وحلم قد لا يتحقق بمغادرته، خاصة عندما تفشل الخطط المؤدية إلى ذلك.. ولا يغفل الكاتب عن وضع مقارنة بين سجن صغير وآخر كبير، إذ يكتب في معرض بحثه عن طريقة للهروب: "فكما يحدث بالخارج، يحدث أيضا هنا، ثلة صغيرة من الشرطة تستطيع حفظ الأمن والنظام داخل حيّ كامل كحيّنا والسيطرة عليه، وأيضا ثلة صغيرة من رجال السياسة تستطيع السيطرة على شعب كامل عشرات السنوات دون مشاكل كبيرة". (ص: 188).
هل من حق "الحثالة" كتابة التاريخ؟ هذا ما لا قد يروق البعض.. أما أن يصدروا (الحثالة) صك الاتهام فهذا غير مسموح به عند ثلة من الناس. لكن "الخطير" هو أن يكون ذلك التاريخ وذلك الواقع مدعاة لانطلاق شرارات الانتقام، الانتقام من الذات والآخر، وإدانة الجميع، بما في ذلك الأم والأب والأسرة والوطن..أن يقف الجميع عراة، الأسرة، الدولة، الفقيه، الجميع.. وهنا يمكن أن يثار نقاش عن المسوغ لذلك، إذا استحضرنا ظروف العيش بالنسبة لأغلب الشخوص وأغلب سكان "الحي الخطير".
يقول الراوي: "لم يكن الإجرام عيبا في تلك الأيام، بل كان فضيلة ورمزية كبيرة ومدعاة للشرف والتفاخر والبطولة الرجولية التي لا تشوبها شائبة الجبن والتخنث. لم يكن في الحي بكامله مكتبة ولا كتب سوى القرآن في الجامع قرب المحراب، ولم يكن هناك معلم في الحي ولا موظف حكومي يرتذي بذلة وربطة عنق، ولا محام ولا مهندس ولا وزير ولا شهادات دراسية تعلق على جدران الأكواخ، بل لم يكن هناك سوى عصابة صحراوة وسكيري السبت وأكواخ القوادات والهاربين الجدد إلى الولجة وإلى أرض ميساوة والجثث على ساحل النهر بمنسوب جثة في اليوم(...) فلم نحلم أبدا سوى أن نكبر سريعا لنصير زعماء عصابات لنا شهاداتنا التخرجية من السجن حسب عدد سنوات الحبس ونوع الجنحة الجنائية والوشم حتى يكون لنا شأن عظيم ومكانة لائقة واحترام داخلي الحي." (ص: 142).
ويستعرض الراوي ذلك بكل تفاصيله، حتى يصل القارئ إلى نتيجة تقول " كل هذه المآسي من نتاج تلك الظروف"، رغم وجود استثناءات قليلة، "كثيرون استطاعوا العيش داخل ذلك الحي مثلما عشت، لم ينته بهم المطاف بالضرورة إلى هذا الحبس، بل بعضهم أصبح مهندسا أو طبيبا أو شرطيًا أو حتى وزيرا.."، وقد غادروا الحي و"أصبحوا أعضاء في عصابة الدولة".(ص: 182) ..
يتواجد كاتب الرواية محمد بنميلود بشكل لافت على مستوى "الفايسبوك"، في هذا العالم الافتراضي تعرّفت عليه، وهو "متابع" بشكل ملفت، تتميز كتابته بالسخرية، "عاقّ" تجاه من يسميهم "الكبار"، لم أره يُثني على أحد سوى مرة على محـمد السرغيني، لا يهتم بالظهور على "المنابر"، شاب يشق طريقه هاربا من العتمة والتجاهل.. وحول الرواية، فقد جاءت نتيجة حضوره ورشة حول الكتابة الروائية ببيروت، ثم احتضان "المنتوج" ونشره وتوزيعه بمساهمة عدة أطراف. ولعلها بادرة مشجعة لا يحدث مثلها في المغرب، ولا ينقص ذلك من قيمة الرواية، خاصة أن كاتبها استغلّ حمولته الثقافية والوجدانية وحصيلة حياة متشيظة (حسب ما يبدو) ليأتي برواية مدوية تكاد تسير على نفس خطوات محمد شكري..
لعل ملمح السياسة من أهم معالم الرواية، وإن كان ذلك بدون وضوح كاف، فخال الراوي مجيد كان يحلم بتغيير الأوضاع، ورغم تأثيره على الراوي من خلال تذكُّر أمه ومن خلال كارتونة الكتب والوثائق التي بقيت في منزلهم بعد اختفائه، لكنه لم يسْلم من نقد لاذع ووصفِه بالسذاجة، لأنه عوض أن يهتم بمصلحته مباشرة، فضل التعاون مع "الرفاق"، من أجل خدمة "الشعب" !! ولا يستعرض الراوي سوى الحرص على البقاء والنجاة إلى ضفة الأغنياء، بدون وعي طبقي أو حس نقدي أو ثقافي..
تستغرق الرواية على مستوى اللغة كلمات دارجة وأخرى من أصل لاتيني يصعب على غير المغربي معرفتها من قبيل( حادْكة، يبقبق، سيكاتريسات، البّيل، الماحيا، الفرّاكة، الكاليتوسة، خيْشة، السبْسي، المْقدّم، النبح، الجلاّس، سوتيان، الضالة، كولوار، الإم روج، البرّاكة، القاندريسي، تحيتيَّتها، بوحمرون..)
وأخرى مستحدثة ك(بنزنوا(ص103) أي أفرغوا البنزين لإشعال النار.
وأخرى تستعمل في الشرق ك(زوّدتها ص:139). أي بمعنى المبالغة
وأخرى كأنها كُـتبت لقراء بعينهم كذكر أنواع الشروبات الغازية في فترة زمنية محددة (ص108)، أو الحديث عن أماكن محددة لا يعرف معناها وحمولتها سوى من عاش هناك، كالولجة وعكراش وبعض الأحياء السكنية في الرباط او سلا. مما يصعب حسن استقبال الرواية من طرف كل قراء العربية.
وهناك فصلان بلا عنوان، ابتداء من الصفحة 119، و122، هل رغب فعلا الكاتب في ذلك أم سقط العنوانان سهوا؟
في إطار التنوع داخل الكم الذي بدأت تعرفه الرواية المغربية، تمثل "الحي الخطير"، مسارا مختلفا يتسم بالجرأة، بل بالقساوة المفرطة في جلد الجميع، الجميع بدون استثناء، وإن كانت ذات طابع اثنوغرافي يحرص على إبراز الأمكنة وعلاقتها بالإنسان، والخوض في التحولات الصعبة التي عرفها المغرب، هذه التحولات لم تبتعد عن المخاضات العصيبة، مما لا يحق نكرانه، ولعل الرواية تدخل في هذا المنحى، وبما أنها "باكورة" محـمد بنميلود يمكن أن نتغاضى عن بعض الهنات في شروط السرد الروائي في انتظار عمل آخر يؤكد خصوصية الكاتب في اختياراته الفنية والتعبيرية.
--------------
محمد بنميلود، الحي الخطير، الطبعة الأولى 2017، دار الساقي، بيروت. ـ القطع المتوسط 188 صفحة.
(ملحوظة: أكتب بصفتي قارئا وليس أي شيء آخر)



قام بإرسال الخبرالحرة بريس
( http://alhorapress.com/news.php?extend.2082 )