الحرة بريس

بنكيران و" الزعماء الخالدون"...

بنكيران و" الزعماء الخالدون"...

يقول أبو العلاء المعري: "وأعجبه أني أخطئ دائما//مع أني من أعلم الناس بالناس "،سياق هذا الكلام ينبع من قناعة أننا نخطئ حينا ,نصيب حينا،ولا يمكن لنا أن نبقى مكتوفي الأيدي إذا ما ثبت إن أخطأنا وفي أي كان ذلك الخطأ،أعجب لحشد في هذا المقهى،وحشد في ذلك الصالون أو في ركن من تلك الرقعة من أحواز المدينة ،وآخر منشغل طوال وقته بأناس لربما هم عنه غافلون وغير مكترثين،حتى نكاد نجزم أن الأمر جلل،قد يغير مسار حياة أمة أو قوم أو عشيرة حتى.

لقد كثر الحديث أو بأصح التعابير لغط،وسالت مداد كثيرة في أغلب صفحات جرائد البلاد،منذ إعفاء بنكيران من تشكيل الحكومة الثانية في عهد دستور 2011،وأعتقد أن الأمر زاد عن حده لما أخذت مسألة الولاية الثالثة مسارا محددا حتى صارت حديث الساعة، وازدادت حدة ذلك قبيل قرار المجلس الوطني للبيجيدي وبعده ،رغم حتمية التصويت ضد التمديد والتي كانت محسومة سلفا،ورغم المحاولات اليائسة لبعض أنصار مخرج قاموس التماسيح والعفاريت والتحكم،وبما أن هذا يعتبر شأن داخلي،ورغم اختلافي العميق مع الخط السياسي(الايديولوجي) لهذا الحزب،أتساءل لماذا كل هذا التحامل على شخص بنكيران وعلى حزبه ؟ألم يعط درسا في الديمقراطية الداخلية التي تفتقدها حتى الأحزاب التي تدعي التقدمية والجماهيرية؟لماذا هذا الاهتمام الكبير ببنكيران والولاية الثالثة؟أليست هناك أمور تستحق أكثر؟أليست هناك أحزاب ومنظمات نقابية منذ التأسيس،هرمت قمة هرمها ولم تتزحزح إلا بعد أن وارت الثرى ومنها من تنتظر؟هؤلاء اليوم أصبحوا أنموذج لكل من يتسلق قمة السطة أو قل التسلط على كرسي حزب أو نقابة ،لا حسيب ولا رقيب،تقلقهم وتخيفهم كل نسمة تغيير إن لاحت في الأفق،وكلما ظهرت بوادر حركة تصحيحية أو انتفاضة داخلية أو أقلها خرجات على جداريات الفيسبوك ،تزعزع وجودهم القسري،رغم عمقها الافتراضي ،تراهم يتحركون يمينا وشمالا صعودا ونزولا، لا لشيء إلا لقمع هذه الحركات بأساليب بائدة ستالينية المنهج ،تارة بالتخوين وتارة بالعمل وفق أجندة وجهات تريد هدم التنظيم أو التخابر مع جهات معادية، وكأننا في حرب باردة بين أعتى المركزيات الاستخباراتية ،في حين تجد أغلبهم ينقل بالتفاصيل ماجرى في لقاء او اجتماع داخلي لتلك الجهات المتهمة ظلما وعدوانا.

في الحقيقة ليس مستغرب على هؤلاء الذين يدافعون من خارج بيت "البيجيدي" عن إعمال الديمقراطية في حزب بعيد كل البعد عن توجهاتهم وميولاتهم الفكرية،فهم لا يدافعون عن ذلك من باب تخليق الحياة السياسية في شكلها المتعارف عليها في أعتى الديمقراطيات الغربية،بل يريدون إزاحة رجل خلق رجات سياسية بخطابه "الشعبوي" البسيط العميق في مدلوله،الذي يصل إلى كل شرائح المجتمع المغربي بكل تلاوينه،وبمختلف الايقاعات والايحاءات اللغوية،بالرغم من اختلافنا العميق معه في عدة قضايا وعدة قرارات مجحفة قوضت ظهر الطبقة المتوسطة بالخصوص،عبر سياسة لا شعبية ولا اجتماعية وفق منظور معين،مستخدما مصطلحات انضافت إلى قاموس الحقل السياسي وأعاد طرح سؤال الممارسة السياسية بالمغرب،لا يتوانى في فضح ممارسة بعض منتقديه اليوم من أولئك الزعماء الخالدين ،لقد استخدم خصوم بنكيران كل الأسلحة الفكرية الواضحة تارة،ومرات بترويج مغالطات،فهؤلاء الذين يدعون إلى احترام القوانين المنظمة للأحزاب"القانون الاساسي" ويحرصون على أن يحترمها بنكيران لوحده دون غيره،هؤلاء هم أنفسهم من يخرقون هاته القوانين في كل محطة من محطات مؤتمراتهم الحزبية والنقابية،واستحضر هنا مؤتمر حزب يساري تقدمي، يعتبر نفسه ممثلا للحركة الاتحادية الحقيقية،وكيف كاد أن ينفجر في إحدى مؤتمراته الوطنية،لولا تعقل بعض الحكماء بالرغم من خروجهم من قاعة المؤتمر وتجمعوا هنا وهناك في حلقيات كالفرق الكلامية"المعتزلة"،وكيف خرج من رغب في ولاية ثالثة أو أكثر وقد منحت له اليوم ،يلوح ب"جاكيت" من فوق كتفه مخترقا حشود المؤتمرين ،التي ظلت مستغربة لهكذا رد فعل لما طرحت مسألة عدم التمديد،في مشهد حبك بدقة وبإخراج مثقن جعل العديد من المؤتمرين يهبون لنجدة البطل الغاضب.

من ينادون اليوم باحترام وتفعيل القانون الأساسي لحزب البيجيدي،هم من يملكون اليوم خطابات وانقسامات داخلية في أحزابهم وباقي تنظيماتهم الموازية،وما يثير الاستغراب أكثر هو إظهارهم لخطاب هوياتي،ينتقدون من انتقدهم في مرحلة معينة ،مذكرا إياهم أنهم ليسوا ديمقراطيين،ودعاهم ما مرة هذا الرجل إلى احترام قواعدهم، وأن يعيدوا قراءة التاريخ ليستوعبوا معانيه،وهذا ليس دفاعا عن الرجل وفي نفس الوقت ليس تنكرا له هذه المرة،من ينتقدون الرجل بصفته الحزبية –وهو شأن داخلي- لا يحق لهم ذلك،هؤلاء هم من يغتالون الديمقراطية في كل مؤتمراتهم،وهم من يصدق عليهم قول الشاعر"لا تنه عن خلق(سلوك) وأنت تأتي مثله ،فعار عليك إن فعلت عظيم"،الأحرى أن يعنى هؤلاء بديمقراطيتهم الداخلية،بعيدا عن الاعتبارات الذاتية التي يقحمها البعض دون اعتبار للاختلاف "الايديولوجي" المحض ودون بناء مسارات أو رسم خريطة طريق للآخر، ونحن نعلم من يكون الآخر حتى لا أقول"كلها يدفن باه كيف بغا".

"البيجيدي" وفي شخص بنكيران أحدث خلخلة في مرحلة ما من التاريخ السياسي المغربي المعاصر،لها ما لها وعليها ما عليها من أخطاء، ربما لا يمكن استبعادها أو استغرابها عن الأخطاء الانسانية وبدون تغليفها بهذا اللون أو غيره ،والذي قد يجذب أو ينفر أو ينال في مرحلة معينة الثناء أو العكس،ما حدث كان لابد له أن يحدث عاجلا أم آجلا،ولاية ثالثة أو غيرها،لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح في هذه اللحظة،هل لازال بنكيران ذلك البعبع الذي يخيف الخصوم قبل الإخوان؟سيأتي يوم فيه الشيء بالشيء يذكر،اليوم نعد مساوئ الرجل وغذا ستحصى مساوئ الآخركما أحصينا مساوئ الاتحاد الاشتراكي في حينها،ونحن على يقين أن كل واحد منا، ليس معصوما ولا يخطئ ولا يمكن منازعته في أي أمر،فقبل أن تطالبوا ،أيها الديمقراطيون التقدميون اليساريون -على الخصوص-الرجل باحترام وإعمال القانون الأساسي للحزب،هلا تنازلتم ونزلتم من برجكم العالي ،واحترمتم قواعدكم التي حملتكم لسنوات ولا زالت تحملكم على أكتافها حتى وأنتم "متقاعدون" وعلى الكراسي أنتم "قاعدون"؟أم على الكراسي أنتم "خالدون" ؟أم ستظلون زعماء حتى يخطفكم "المنون"؟ومن كان بيته من زجاج لايرمي الناس بالحجارة...



نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://alhorapress.com/news2290.html
نشر الخبر : alhorapress
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة