الحرة بريس

المدرس(ة) ... مهنة باختيارات

المدرس(ة) ... مهنة باختيارات


هناك قناعة لدى السوسيولوجيين و الفلاسفة اليوم بأن تكوين المدرسين والمدرسات لا يكون دون اختيارات إيديولوجية حتى ولو ادعينا النزعة العلموية والموضوعية المطلقة؛ إذن فتكوين المدرس(ة) ليس هو تكوين الكيميائي والمحاسب والإعلامي كما ترغب فيه المقاولات، وبإمكاننا القول بكلبية بأن الكيميائي الجيد هو الكيميائي الجيد، هو من يستطيع صناعة الأدوية أو المخدرات، والمحاسب الجيد هو من يبيض الأموال المتسخة أو ينمي موارد التنظيم الإنساني، والإعلامي الجيد هو من يخدم المافيا أو العدالة بنجاعة. والسؤال هو هل نرغب في مدرسة تنمي الاستقلالية أو الامتثالية، الانفتاح على العالم أو النزعة القومية، التسامح أو الحقد على الآخر/ثقافة الآخر، تنمي لذة الأخطار الفكرية أو البحث عن اليقينيات، روح البحث أو الدوغمائية، معنى التعاون أو معنى التنافس، التضامن أو الفردانية...؟ وبالتالي هل يتعلق الأمر بمدرسين نخبويين أم بمدرسين طيعين...؟
إن المطلوب الآن هو إبداع تصور جديد لانتقاء و تكوين المدرسين حتى ننمي مواطنة متكيفة مع العالم المعاصر. ما الذي يجب أن يعرفه المدرس؟ وما الذي يجب أن يقوم به؟ وما المواقف التي ينبغي أن يتبناها؟ وأي طاقات ستحرك تطوره؟ ...إلخ. وبنفس الرؤية نتساءل أي كفايات مهنية مرغوب فيها للمدرسين؟ 
إن مهنة التدريس ليست مهنة لتطبيق الوصايا و القوانين، فالجهل يكون أحيانا، حسب جاكوطوت، فضيلة تمنع المعلم(ة)/المدرس(ة) من محاولة الشرح وتدفعه ليضع التلاميذ في وضعية لبناء معارفهم.
لربما أن زمن المدرس الكاريزماتي انتهى إلى غير رجعة من وجهة نظر الفكر الدائر حول الطفولة و حقوقها؛ ذلك المدرس(ة) المكرس حياته للخطابة والتلقين: تلقين إيديولوجيته، أو حيث ينظر إليه كفاعل سياسي واجتماعي يساهم في (الثورة) أو كممثل لأخوية دينية تنشر أنوار الإله. 
إن التفكير في ولوج مهنة التدريس وفي الحياة المهنية للمدرس(ة) يمر عبر مراحل، هي:
أولا: مرحلة اختيار المهنة: ونبحث فيها عن الدافع وشروط الولوج. لا بد من التفكير في تعدد الاختيارات وتعقد المتطلبات مما يعني إعادة الاعتبار للمهنة والمستوى الدراسي للمترشحين ودراسة التحفيزات دراسة وافية.
ومهما يكن الحال فإن اختيار المدرس اليوم يجب أن يأخذ في الحسبان ما يلي:
• تعقد الوضعيات البيداغوجية بما فيها تداخل التخصصات والبحث وتنظيم الأنشطة ونجاعة التعليم، ومكانة المعيش اليومي في التعلمات...إلخ.
• الصراع من أجل القيم والرهانات الاجتماعية للممارسات اليومية.
• التشارك عوض التقوقع والانفراد بالتجربة.
• تحليل الوضعيات المعقدة لاستباق اللامتوقع، وتدبير التناقضات...إلخ.
• التقويم الذاتي والتعديل المناسب.
• تطوير الهوية المهنية والإحساس القوي بها.
• تعلم التعلم عبر التكوين الذاتي والجماعي
ثانيا: مرحلة اكتساب الصفة (صفة مدرس(ة)، ويكون التفكير فيها في عدد سنوات التكوين، وفي بنينة مناهج التكوين الأساسي التخصصية والديداكتيكية والتداريب والمصاحبات...إلخ. والتفكير ما أمكن ذلك في التكوين بالتناوب ودراسة الحالات والوضعيات المهنية والتعلمية والتعليمية. كما يجب أن يتضمن التكوين الأساسي التكوين الابيستمولوجي والنقدي و بالإجمال التكوين على البحث، وأن يعيش المتكون ما نرغب في أن يكون عليه مع التلاميذ استقبالا.
ولا يجب أن نغفل في التكوين الأساسي التنسيق بين المكونين وشركاء التكوين والتعاون بين الديداكتكيين والمتخصصين.
وحاصل الأمر أن التكوين الأساسي يساهم في بناء هوية مهنية للمدرسين إن هو استحضر الاشتغال على تصورات المهنة وتحضير المتكونين لحرفة واقعية.
ثالثا: مرحلة الولوج إلى المهنة وتعنى بالإدماج المهني وصدمة الواقع وفرص التنمية المهنية مما يعني استحضار شروط ممارسة المهنة أثناء التكوين الأساسي وزمن التكوين والتوفر على معلومات كافية عن الجغرافيات والذهنيات والثقافات ...التي سيمارس فيها المتخرج المهنة. ولأجل هذا الغرض يمكن استحضار تجارب الممارسين السابقين في التكوين. فالمطلوب هو التفكير في تنشئة مهنية تستحضر التكيف والتنشئة والفعالية في العمل. 
رابعا: مرحلة التطور في المسارالمهني وتعنى بالتنمية المهنية الإلزامية عبر التكوين المستمر و إتاحة فرص أخرى واعتبار المؤسسة التعليمية مؤسسة معلمة تستوجب تنظيما للتكوين الفردي والجماعي والمجموعاتي.
خامسا: مرحلة الحركية المهنية: وتهم المسار المهني والتقويم والحركية نحو وظائف أخرى، وهو جانب يطرح مشكل متعددة كالأقدمية وتقويمها، ومشكل المردودية بدون أقدمية والاعتراف بالمجهود والخبرة والعطاء؛ وذلك ما يستوجب إعداد تصور جديد لتقويم الأداء المهني أو لنقل وضع تصور جديد للموارد البشرية بعيدا عن فكرة منصب الشغل القار والأقدمية في المنصب. 
إن التصورات الدائرة حول المدرس تقوم اليوم على مراجع للكفايات وبراديغمات نظرية مبنية على أسس علمية وفكرية وبحثية ، ونجد من بينها ما ذكره باكاي، وهي: 1)- المدرس المعلم ، 2)- المدرس التقني ، 3)-المدرس المهندس التكنولوجي ، 4)- المدرس المهني الممارس المتأمل، 5)-المدرس الممارس الصانع ، 6)- المدرس المستقل المسؤول ، 7)-المدرس الفاعل الاجتماعي ، 8)- المدرس الشخص ، 9)-المدرس الباحث ، 10)-المدرس العالم، 11)- المعلم المرتجل ، 12)- المعلم العلمي. فأي مدرس(ة) نريده نحن إذن؟



نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://alhorapress.com/news2235.html
نشر الخبر : alhorapress
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة