الحرة بريس

الإصلاح الديني" في أوربا: الأسباب، الأبعاد والنتائج.

الإصلاح الديني" في أوربا: الأسباب، الأبعاد والنتائج.

بدأ "الإصلاح الديني" مبكرا في أوربا، منذ بداية القرن 16م. وكان قفزة وتحولا في التاريخ، مهّد لتحوّلات عميقة في تاريخ الإنسانية، لأن ما حدث بأوربا خلال الأربعة قرون الأخيرة، همّ تأثيرُه العالم بأسره.
ولم يأت هذا "الإصلاح" مِن عدم، أو جاء بغتتة أو صدفة..
لقد مهدتْ له المرحلة السكولائية التي انفتحت على الإرث الثقافي اليوناني والروماني، واستفادت كذلك من العرب.. وشرعت في تنظيم التعليم.
ليأتي عصر النهضة والذي في خضمه وقع "الإصلاح الديني"، فما هي الأسباب التي دفعت إليه؟
أولا، هذا الموضوع ليس سوى محفز على البحث والنقاش، وعرض بعض المعلومات العامة، التي لا تدّعي الإحاطة بالموضوع..
قبْل الحديث عن بعض معالم هذا "الإصلاح"، لابدّ من عرض السياق التاريخي الذي حدث فيه..
لقد دخلت أوربا المسيحية منذ القرن الرابع الميلادي بشكل رسمي، عندما اضطرت الدولة الرومانية أمام واقع انتشار المسيحية، إلى تبني هذه الديانة، ورغم بعض الاختلافات غير العميقة بين المسيحيين داخل نفس الديانة، غالبا بسبب العامل الجغرافي والبعد والإنزواء، بين المسيحيين المشارقة وإخوانهم بالغرب(أوربا)، فإن الكاثوليكية يمكن أن نسميها الديانة الجامعة والأكثر قوة وانتشارا في الغرب عموما خلال العصور الوسطى مقابل الديانة الإسلامية في جنوب البحر المتوسط وشرقه..
وكأي ديانة فإن المسيحية تدعو لسمو الأخلاق على بقية المسلكيات البشرية، لكن، من حيث الواقع، فالأمر مختلف، حيث إن الكاثوليكية تحوّلت إلى تنظيم مُحكم، يتدخل في كل صغيرة وكبيرة تهم الناس والدول..
فلرجالِ الدين سلطتهم كذلك، والتي تجلب لهم منافع "دنيوية"، منها ضمان عيش هادئ ومريح وإن كان يدّعي التقشف، جلب نوع من التبجيل الذي يَحُول دون تحصيل الأذى. ولكن، الأهم وهو التدخل في السياسة لدعم أمير أو أسرة حاكمة ضد آخرين، ومنح "البركة" الإلهية التي تُخرس كل معارض. وقد استفاد من ذلك الدعم الكثير من الملوك.. كما أن رجال الكنيسة، شرعوا في جمع الأموال من عند المؤمنين بعدة طرق، منها "بيع" صكوك الغفران، أو دفع إيتاوات للكنيسة باستمرار. رغم ما يمكن الحديث عنه من تحصيل نوع من "الطمأنينية" الروحية للمؤمنين، يسعون إليها سعيا لمنح حياتهم "معنى" خاص..
فما هي المستجدات التي دفعت لإعادة النظر في دور الكنيسة داخل المجتمع الأوربي؟
بسبب تحولات عميقة عرفها المجتمع، لها علاقة بما هو ثقافي واقتصادي والسياسي الخ، يمكن اختصاره في ظهور طبقة اجتماعية من التجار، خاصة في إيطاليا كبداية وقد استفادت من التجارة مع الشرق، وبعد مخاضات عسيرة في إيطاليا، يمكن تلخيصها في بداية انتشار التعليم، جمع الكتب، ظهور الإرهاصات الأولى في الفنون الحديثة كالرسم، بداية تنظيم الحرف، ظهور رؤية سياسية أكثر واقعية (الماكيافيلية).. قبل أن يتحول المشعل إلى مدن/ دول تجاور مصبّات الأنهار الكبرى ومنفتحة على البحر، كهولندا وفرنسا وأنجلترا.. حينها كانت فئة التجار قد تقوّت، وأصبحت أكثر غنى، بينما الطبقة الفيودالية حليفة الكنيسة الكاثوليكية المرتبطة بالفلاحة وامتلاك الأراضي والمتحالفة مع العائلات الحاكمة، لم تعد لها القوة لتضمن سطوتها وامتلاكها للسلطة. وظهر أن الكنيسة كما هي، معرقلة لأي تطور، بل ومتعارضة مع مصالح الفئات الجديدة، لهذا كان لزوما وبشرط ما يعتمل في الواقع اللجوء إلى إصلاح ديني، وكان هذا الإصلاح يلبّي حاجة، ويجد سندا من طرف فئة اجتماعية ناهضة، وهي تتقوى باستمرار..
فما هي أسس الإصلاح الديني في أوربا؟
نقصد بالإصلاح الديني التوجه البروتيستانتي المنسوب لرجل الدين مارتن لوثر ( 1483 - 1546)، وكذلك الكالفانية التي تعود لجون كالفن ( Jean Calvin)؛ ( 1509م ـ 1564م)، وقد عمل المصلحون الدينيون من داخل المسيحية، وهم متخصصون في اللاهوت، ومتشبعون بثقافة عصرهم، ولهم رؤية مختلفة عن بقية رجال الدين الكاثوليك، لكنهم سعوا إلى "تحرير" الإنسان من سلطة الكنيسة ومن كل التأويلات الخاصة التي وضعها رجال الدين عبر أزمنة سابقة.. دون الابتعاد عن "جوهر" الدين..
لقد استفاد المصلحون الدينيون من توفير المُتون القديمة من كتب دينية وأناجيل كانت مقتصرة على كبار رجال الدين سابقا، وقد شجع على ذلك البحث الدؤوب عن تلك المراجع، ثم ظهور المطبعة، إذ أصبح نسبيا متوفرا الكتاب لمن يطلبه. لهذا شرع مثقفون من مختلف المناطق الأوربية، يترجمون تلك الكتب من اللاتينية (لغةُ الخاصة) والعبرية (لغة أقلية) إلى لغات محليّة فرنسية أو المانية أو فلامانية أو إيطالية.. حتى يمكن أن يتناولها عامة الشعب القادرين على القراءة. وبذلك لم يعد ممكنا أن يتصل "المؤمن(ة) برجل الدين ليقدّم له الشرح والتأويل و"يهديه" كما يشاء وحسب وجهة نظره ووفق المصالح السياسية الرائجة.. هذا ما حصل بالتدريج، سواء رغب فيه المصلحون أم لا. بدأت الكنيسة الكاثوليكية تضيعُ منها مساحات هنا وهناك داخل أوربا..
وترتّب عن ذلك نشوب صراعات واقتتال دام عقودا، على خلفية دينية بين الكاثوليك والبروتيستانت، كل يكفّر الآخر، ويرى أنه متهم بالهرطقة، وينكر حقيقة الدين.. رغم أن الصراع له في الواقع امتداد من أجل السلطة والموارد..
ظل الطرفان معا يقتلان، سالت دماء، وتعرض الآلاف للتعذيب قبْل الموت، والحرق أحيانا، بل إن حكاما ودولا بعينها شنت حروبا باسم الدين على المختلفين كما حدث في اسبانيا منذ عهد إيزابيلا الكاثوليكية (القشتالية: 1469ـ 1504)، وهي تجربة تاريخية جديرة بالتأمل والاستفادة منها من طرف متدينين آخرين ما زالوا يعيشون نفس التجربة تقريبا أو يسعون إليها..
ولعل من أهم ما أتت به البروتستانتية كان ممهدا من حيث لا تدري لمرحلة تاريخية لاحقة، من ذلك تشجيعها على العمل والإدخار، وليس العيش بشكل متقشف وبئيس، في انتظار الانتقال إلى العالم الآخر، حيث هناك الفردوس والإقامة الأبدية.
شجعت على النظافة والتعلم والتعرف على فن العيش..
وأمام بعض الاكتساح من طرف البروتيستانتية رغم الحروب والاقتتال، وذلك بسبب "اللين" الذي خططته، وسعيها للقفز على المؤسسة الدينية، والدفع إلى جعل مسؤولية الفرد أمام ربه مباشرة، دون وساطة رجال الدين.. رأت الكنيسة الكاثوليكية أنه من واجبها تحسين أحوالها، وإصلاح بعض أخطائها أو على الأقل تحسين علاقتها بالمؤمنين، وكان ذلك دافعا لدخول الرسم إلى الكنائس، باعتباره أنجع وسيلة لتعليم وتربية وتثقيف المؤمنين الجاهلين بالكتابة، وستدخل في ما بعد الموسيقى والأناشيد إلى الكنيسة، وسيتم التغاضي عن بعض السلوكات التي كانت محرمة سابقا، منها تحديد ألبسة معينة وكثرة مواعيد الصلاة..
إن إدخال مفاهيم علاقة الفرد بربه، ومسألة عيش الحياة بدورها، وليس الاستعداد للآخرة فقط، والدفع للاكتناز والإدخار، كلها وغيرها عوامل ساهمت في ظهور المجتمع الرأسمالي في الغرب، رغم كل النقد الذي يمكن أن يوجه للرأسمالية عندما انحرفت إلى استغلال الإنسان والبيئة وسعت إلى ذلك باستعمال القوة..
غير أن التحولات المشار إليها، ساهمت في تحرير الإنسان في الغرب من ثقل السماء، وبذلك تحرر عقله وخياله، وأتاح لنفسه فرصة من أجل الإبداع والإبتكار والبحث العلمي.. وانفصل الإنسان عن الأوهام التي سكنته منذ قرون، حيث كان يقضي الإنسان حياته متوجسا خائفا ينتظر التوبة والغفران، ولا يستطيع حتى تفسير ظواهر طبيعية كالزلازل.. وقد ساعدت بعض الكشوف العلمية على دحض مقولات دينية منذ زمن كوبرنيكوس، حيث ظهر مثلا أن الإنسان ليس مركز الكون، ولا الأرض التي يعيش عليها، وأن السماء ليست غطاء ماديا على رؤوس الناس!
رغم ما يعنيه ذلك من "شقاء" للإنسان، حيث يقف عاريا أمام مصيره دون انتظار الخوارق.. ولكنها، "نِعم المسؤولية" التي يتحملها بكل جدارة كما وقع عند الغرب، إذ يحضر القانون وفصل السلط وخدمة الإنسان أولا (رغم ظواهر مرضية استثنائية لا تخلو من أي مسار يخطه الإنسان).
كما أن التشريع المُنظِّم للحياة، أصبح إنسانيا صرفا، يُنجز من طرف بشر، هم من يشرّع القوانين داخل البرلمانات.. ونقصَ تأثيرُ الدين كثيرا على الناس، حتى أن كنائس شبه فارغة، وأخرى بالقرى أهملت نهائيا، وأصبح له حضور رمزي في الغالب (الدين)، كعقد القران من طرف البعض أمام راهب، أو وضع رئيس دولة يده على الإنجيل عند تعيينه..
الإصلاح الديني كما حدث بالغرب، جاء نتيجة تحولات عميقة في المجتمع، وكان حاجة ضرورية، ووجد السند من طرف فئات اجتماعية صاعدة. وساهم ذلك في انتقال نوعي بالغرب نحو الحداثة التي تعطي للفرد كإنسان قيمته، وتنبني الدولة هناك على أسس عقلانية وديمقراطية، في محاولة للتقليل من الصراعات المباشرة، وخدمة الإنسان أولا.. ولعل عددا من التحولات لم تكن تخطر أصلا على بال المصلحيين الدينيين، لكنها تحولت إلى واقع..
فهل يمكن لشعوب أخرى أن تقطع نفس المسار؟



نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://alhorapress.com/news2223.html
نشر الخبر : alhorapress
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة