الحرة بريس

الشريف الحجامي: الشاعر الذي يتعبه الســـــــــؤال

الشريف الحجامي: الشاعر الذي يتعبه الســـــــــؤال

الحرة بريس:د.عمر قلعي-باحث في الثقافة والادب
بدايات:

عبد الرحمان الحجامي، أو "الشريف" الحجامي، شاعر زجال، من مواليد مدينة مولاي ادريس زرهون، عام 1957م، يسكن في حضن طبيعة هذه المدينة التي تسكن قصائده الولهى، وتسكن أخلاقه التي يصل عبقها إلى كل من تعرف عليه من أصدقائه ومحبيه..

يعمل أستاذا للتعليم الابتدائي، يربي أجيال المستقبل، ومعهم يربي موهبة كانت تسكنه ويسكنها، منذ سنين مضت، موهبة أحس بها وعايشها في صمت، غير أنها رفضت أن تبقى في الظل فأعلنت وجودها ووجوده بين محبيه وعاشقيه من رواد الحرف بزرهون..قبل أن يتسع امتدادها إلى مدن مغربية أخرى.

عشق الشريف الحجامي الزجل، فقد وجد في نفسه الميل إلى قراءة عيون هذا الشعر والاستمتاع بسماعها وتذوقها، كما وجد فيها موهبة تدعوه إلى "إنشاده"، غير أن حياء الرجل، و"التجاءه إلى ذاته، جعله يردد "كلامه" مع نفسه ولَهَا بحثا عن المتعة المنتظرة، وفي أحسن الأحوال، مع جماعة أصدقائه الذين تعود على مجالستهم ومشاركتهم أطراف الحديث عن الأدب وأهله.

كان استحسان الأصدقاء، لما يسمعون من جميل كلام الشريف الحجامي، دافعه الأكبر للإقدام على ركوب "مغامرة الشعر"، لكن موهبته الدافقة، وحسن اختيار مواضيعه، ودقة انتقاء لغته، وبراعة تركيبه..أكسبته الثقة في النفس والرغبة الأكيدة في مواصلة الطريق، فصار يصر على حضور ملتقيات الشعر وأمسياته، متنقلا بين زرهون ومكناس وسيدي قاسم والقنيطرة وسلا والرباط والدار البيضاء...حتى قال فيه أحد الزجالين:   

يـَـــا الــــرَّاحَـــلْ فَــــدْرُوبْ الحَـــــــرْفْ

جَـــــــــــــوَّالْ

سُــــــــــــؤَالْ يَـــــــــــرْمِيكْ لْسُـــــؤَالْ

اذْهَـــــــبْ وَتْــــــــــرَابْ

غْمَـــــــــــــامْ وَسْحَـــــــــابْ

بَـــــــــــــــــاسَمْ عَــــــــــــوَّالْ

تْــــــــــــرَدْ السُّـــــــــؤَالْ مَــــــــــــوَّالْ

وَتْــــــــــوَلِّي أنْــــتَ لَـجْـــــــوَابْ

الزجل أولا:

علاقة الشريف الحجامي بالزجل أشبه ما يكون بعلاقات العشق/الحب العذري، يسكن صاحبه نقيا طاهرا، لكنه لا يملك القدرة على البوح به إلا لنفسه خوفا من فقده، فإذا طال أمده اعتلت نفس صاحبه ففضحته جوارحه. هو ذاك حاله مع الزجل، فقد كان خله وصاحبه، يظهر حينا ويختفي حينا حتى صارت بينهما مودة وألفة، يأخذ هذا من ذاك، ويؤثر هذا في ذاك، فأضحى أحدهما لا يطيق فراق الآخر، ترى الأول فتشعر بقرب الثاني.

لقد قادتني مصاحبتي للزجل و"أرباب حرفته"، قديما وحديثا، كما قادني تذوقي لما قرأت من أزجال الرجل، إلى القول: إن الشريف الحجامي وجد ليكون، في الفن، زجالا لأنه يمتلك المقومات التي تؤهله لذلك، فهو يجمع بين الجلال والجمال: جلال المعنى وجمال المبنى.

بدأ ظهوره الشعري متأخرا، لكنه جاء يحمل القصيدة ناضجة كبيرة شامخة، وقد استوت على نار هادئة حافظت لها على طعمها، وأغرت متلقيها بجميل الإقبال عليها، لأنه حقق لهذا المتلقي الشعرية بلغتها، وصورها وأخيلتها، وأسلوبها، وأفق انتظارها... 

الشريف الحجامي: الزجال المتعدد

كتب الشريف الحجامي في أكثر من موضوع، وعبر على أكثر من قضية، وقد كان دافعه، في هذا وذاك، رغبته في التعبير عن واقع الناس في المجتمع، الواقع الذي فقد عذريته حين فقد الناس أخلاقهم، أو تنازلوا عن جزء كبير منها، لفرط ما سكنهم من الجشع والطمع والأنانية، وما لوث نفوسهم وأرواحهم من حقد وحسد، وما غير قلوبهم وجعلها عليلة سقيمة...لكنه عبر، في الآن نفسه، عن قيم نبيلة وأكد عليها، كالدعوة إلى الوفاء والتعقل وإصلاح النفس واستمرار المودة بين الناس...

والواقع أن الشريف الحجامي لم يقف عند هذا الحد من التعبير، فقد أضفى على جزء مهم من قصائده، البعد الإنساني الكوني حين عبر عن الحرية والحب والخير.. وهو نفس المعنى الذي سكن القصيدة الحديثة زمنا طويلا مع تجربة قصيدة الرؤيا مثلا. بل إنه ألبس القصيدة أحيانا، وبدرجة ما من الوعي، صبغة "السؤال الأنطولوجي" (الوجودي)، مع ما رافق ذلك من حرقة هذا السؤال الذي يسكنه، والذي يترك الإجابة عنه للقارئ..

أزجال الشريف الحجامي: الأبعاد والدلالات

في أزجال الشريف الحجامي، التي أمكن الإطلاع عليها، أكثر من بعد وأكثر من دلالة. والظاهر أن الرجل وظف معرفته وتجاربه وخبراته، بالناس وبالحياة، ليعيد تشكيل صورة الواقع الذي يعيشه: يصفه أحيانا، وينتقده أحيانا أخرى، بلغة تجمع بين الرمز والحكمة، وبين السخرية والانتقاد، أو ليعيد إلينا "وعينا الهارب منا" للتفكير في ذلك السؤال "الأنطولوجي(الوجودي) المغيب فينا بقصد أو بغير قصد. ويضاف إلى هذا وذاك أنه يملك روحا مرحة تسافر بالقارئ مرات في عوالم الفكاهة، لكنها فكاهة سرعان ما تنقل صاحبها من الضحك العابر لتفتح له نافذة التأمل في أحوال الذات والعالم والأشياء...

1-البعد الإنساني:

يشهد كل من يعرف الشريف الحجامي أو من تربطه به علاقة إنسانية، أنه طيب المعشر، جميل الأخلاق، صادق المحبة، نقي القلب..ولأن "الشاعر ابن بيئته"، مخبوء تحت لسانه، تتملكه لغة شعره، لذلك يخبئ له هذا الشعر، من الصفات، ما لا يسع نكرانه وصده، ولا يمكن رفضه ورده. في شعر هذا الشاعر ما يدل على حفظ المودة والصحبة لرجل ألفه وأحبه، وأخلص في مرافقته زمنا، هذا الرجل هو المرحوم محمد العلالي، "المبدع والمناضل"، الذي لازمت صورته البهية عقل الشاعر وخياله وأبت أن تفارقهما، كما لازمت الدمعة والحنين عينيه فصارتا دليلا على ما كان بينهما من الوفاء والصفاء:      

احْــلَفْ هَـــــذْ لَعقَـــــــلْ
صُـــــورْتَــــكْ البَــــــاهْيَـــــة 
 لَا فَــــــرْقَتْ لَخْيَـــــالْ

وحَــــــلْفَتْ هَــذْ الْعَيْنْ 
بـَـــــدْمُوع لَحنيــــــــنْ
تَـــــــرسَم شَـــــــلال

وحْلَفْ الْخَــــــــاطَرْ 
لِيكْ مـْحَبَّـــــة قْنَـــاطَــــرْ

مَـــــا تْبَـــــــــــاعْ بْـمَــــــالْ

وَحْلَــــــــــفْ الــــــــرْفِيقْ
وَالصْـــــــــدِيــــــقْ

حَلْفُــــــــوا لـَحْبَـــــابْ
وْلَصْحَـــــــــــابْ

وَحْلَفْتْ مْعَــــاهُمْ انَــا
رَاكْ حَاضَرْ مْعَانَــــــــــــا

دِيـمَـــــــا فَالْبـَــــــــــالْ

ويعود الشاعر ليتساءل من جديد عن سبب غياب هذه العلاقات الإنسانية الجميلة، التي كانت تملأ قلب الإنسان ونفسه بدفء وحميمية حين أسكن هذا القلب الصفاء والوفاء، لكنها أصبحت اليوم في حكم المحال لغلبة المصالح وسيادة الهوى، بل"ذابت" كما يذوب الجليد، وانكشف غطاؤها الكاذب، إلا أن محبته لصاحبه سكنت أعماقه، وأقامت فيها حتى صار "دائم الحضور في البال":

فِيــــــــنْ أَيَّـــــــامْ زْمَــــــــانْ
فِينْ الصْفَــــا وْالَــوْفَـــا

الْيُـــــــومْ اصْبَحْ مُـحَـــــــالْ(...)

شَــــــلَّا صُحْبَــــــة ذَابَــــتْ
صَبْحَــــــتْ كَــــذْبَـــــة

وَتَّنْسَـــــــاتْ فَـــــالـْحَــــالْ

وْصَحْبَــــــة الْعَــــلَّالـِي
سَكْنَــــتْ اعْمَــــاقِي
كَــــــانَتْ وَبْقَـــــــاتْ

لِيَّــــــا رَاسَ الـْمَـــــــــالْ

وغير بعيد عن هذا المعنى يبدع الشريف الحجامي، من خلال قصيدته "صحبة اليوم"، في تصوير ما آلت إليه العلاقات الإنسانية اليوم، وما أصابها من ترهل وانحطاط أخلاقي حين أصبحت الصداقات تبنى على المصلحة الشخصية، وعلى النفعية والانتهازية والأنانية. والحقيقة أن الشاعر، ينهل هنا، بالقصد أو بالفطرة، مما ورد في التراث العربي والإسلامي من الحث على حسن الصحبة، وإخلاص المودة للصديق. ونذكر أن التأكيد على هذا الأمر فاض ذكره في النصوص الشرعية، ودواوين الشعراء، ونصوص الفلاسفة والأدباء، نذكر من ذلك مثلا، على سبيل الذكر لا على سبيل الحصر، ما كتبه أعلام الأدب والفكر في الثقافة العربية، قديما وحديثا، وما أولوه لأمر الصحبة والصداقة من أهمية اعترافا بدورها في الرقي بالسلوك البشري، وفي تحقيق تميزه. فقد خصص ابن المقفع في كتاب "الأدب الكبير" بابا سماه "معاملة الصديق"، ركز فيه على أهمية الصداقة، وعلى آداب التعامل مع الصديق، ووضع أبو حيان التوحيدي رسالة"الأدب والإنشا في الصداقة والصديق"........(يتبع)





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://alhorapress.com/news1864.html
نشر الخبر : alhorapress
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة